البتكوين Bitcoin رؤية اقتصادية وشرعية

1.إن كثرة الأسئلة حول العملة الرقمية (إلكترونية) "البتكوين"، مع ضبابية التصور انطلاقًا من قصور المعلومات المتاحة في بعض الجوانب، قد حد من قيام أهل الاختصاص بإبداء الرأي الشرعي تجاه إنتاج عملة البتكوين، أو التعامل والمتاجرة بها. وما قيل في هذا الموضوع لم يكن كافيًا، وهو يندرج في محاولات الاستكشاف والتصور. وهذا المقال ربما يعد مرحلة متقدمة غير مسبوقة في تناول هذه النازلة من الناحية الشرعية.

2. سأقوم هنا بمحاولة أولية لتأسيس مناقشة علمية لهذا الموضوع. مع التأكيد بأن هذا الموضوع من النوازل المعاصرة، وهو يشبه إلى حد كبير نازلة النقود الورقية الائتمانية غير المغطاة بالذهب والفضة والتي تكتسب صلاحيتها من الثقة بمصدرها وهو السلطة السيادية في كل بلد. وتخضع قيمتها للتغير بناء على الميزان التجاري للدولة، أي الصادرات والواردات بالدرجة الأولى ثم تدخل المضاربات والمقامرات في أسواق العملات كمؤثر رئيس في استقرار أو تذبذب قيمة العملة في مواجهة العملات الأخرى.
3. وطبقًا للمعلومات المتاحة هناك ثلاثة جوانب تتعلق بالبتكوين، الأول: الإنتاج، والثاني: التعامل والمتاجرة بعملة البتكوين، والثالث: الدخول كمستثمر في شبكة المنتجين، وسأتناول الأول والثاني، أما الثالث فسأتجنبه لأنه لا يتسم بالعموم بالمقارنة بالجانبين الأول والثاني، ولأنه أشبه بآليات التسويق الشبكي التي عمت الفتاوى بالتحذير منه.
4.إنتاج العملة الرقمية البتكوين: من المهم ابتداء أن نفرق بين البتكوين كعملة رقمية، وبين إمكانية تحويل أي عملة حقيقية إلى عملة رقمية أو إلكترونية. وسأعلق على الجانب الثاني ثم أعود للأول لأنه هو المقصود.
تحويل أي عملة إلى عملة رقمية : من الممكن تحويل العملة الحقيقية إلى عملة رقمية أو إلكترونية أو لنقل : تشفير العملة الحقيقية؛ بغرض البحث عن وسيلة أكثر سرعة وأمانًا للتحويلات والمتاجرة بالعملات وربما غسيل الأموال. لأنه في العملة الرقمية هذه يتم تخطي حواجز الرقابة على العملات في الدول.
5. هذا بغض النظر عن الهدف منه لا جديد فيه من حيث الحكم الشرعي؛ لأن مجرد التعبير عن العملة الحقيقية بأي شكل من الأشكال لا يغير من حقيقة العملة وهي أنها دولار أو جنيه استرليني ونحو ذلك وإن تم التعبير على معادل لهما وباسم جديد، كأن يقال 100 دولار تساوي وحدة واحدة من العملة الرقمية .
6. سيبقى الأمر معقولاً ومقبولاً ولا يمثل تغيرًا جوهرًيًا ما دام أنه بالإمكان العودة إلى العملة الأصلية الحقيقية عن طريق إلغاء التشفير. هذا الأمر نشاهد مثيلاً له في الشكل من خلال استخدام بطاقة الصراف أو التحويلات البنكية أو بطاقات الائتمان مسبقة الدفع، مع فارق مهم وهو أن هذه الوسائل تتعامل بوحدات العملة الحقيقية نفسها، بينما العملة الرقمية التي نحن بصددها تعبر عن تلك العملة باسم جديد ومعادل جديد. هذا الأمر قد يوصلنا إلى البتكوين في حال تم تحويل العملة الحقيقية إلى عملة البتكوين محل البحث من خلال الصرف أو المبادلة وهذا سأبينه فيما يلي.
7. البتكوين كعملة رقمية: هناك جانبان كما قلت في المقدمة سأتناولهما: الأول: إنتاج العملة، والثاني: التعامل بها وقبولها في التداول، ويبدو لي أن الثاني أسهل بكثير من الأول. وسأبدأ بالأول
8. إنتاج العملة الرقمية البتكوين: يقصد بإنتاج العملة إصدار العملة، ويوازيها سك العملة كما هو الحال في طباعة الدولار أو نحوه من السلطة السيادية في الدولة، غير أن البتكوين ليس هناك جهة سيادية تصدره، وإنما طبقاً للمعلومات المتاحة كل أحد يستطيع إصدار عملة بتكوين، من خلال عملية تسمى التعدين أو التنقيب على مواقع أنترنت متخصصة، ويتم ذلك باستخدام برنامج إلكتروني يقولون أن يتطلب جهاز كمبيوتر ذي قدرات عالية، تنتهي عملية التعامل مع البرنامج بإنتاج عدد معين من وحدات العملة الرقمية البتكوين، وهكذا فإن كل أحد يستطيع التعامل مع البرنامج وإصدار عملة بتكوين تكون في حسابه على الشبكة العنكبوتية.
9. عملية الإًصدار هذه تمثلاً فرقًا جوهريًا بين إصدار العملة السيادية وعملة البتكوين، لا توجد جهة محددة ضامنة لهذا الإصدار بل ينتاب هذا الأمر الغموض، وهناك معلومات تؤكد احتمال تبخر هذه العملة إلكترونيًا من حساب الشخص الإلكتروني على الأنترنت، وفي ظل عدم وجود جهة ضامنة فإنه لا أحد يمكن مطالبته بالتعويض.
10.قد يقال: إن البنوك التجارية وهي جهة خاصة تقوم بإصدار النقود الائتمانية بشكل مضاعف عن النقود الأولية الحقيقية التي تودع لديها، وذلك من خلال منح التمويلات بحدود أعلى بكثير مما لديها من ودائع؛ ولكن الفرق بين البتكوين ونقود البنوك التجارية (والمعروف باسم خلق النقود) هو أن البنوك التجارية تقوم بهذا مع ضمان أصل الودائع الجارية، وكذلك برقابة من السلطة الإشرافية السيادية، بينما في البتكوين لا يوجد هذان الأمران. سأتابع في الجانب الثاني وأؤجل الرؤية الشرعية لجانب الإصدار، لأن استكمال التصور والرؤية الاقتصادية سوف يساهم في تسهيل النظر الشرعي.
11.التعامل بالبتكوين كعملة منافسة للعملات الحقيقية: إلى حد الآن تم إصدار العملة الرقمية البتكوين، مع نقاط غموض واضحة تجاه الجهة الضامنة لهذه العملة أو الجهة السيادية التي تمنحها الثقة. الهدف الحقيقي من إصدار البتكوين هو منافسة العملات الأخرى ومزاحمتها على صعيد شراء السلع والخدمات، أو حتى المضاربات بالعملات، وبالفعل تم خروج البتكوين لتكون عملة مقبولة في آلاف المحلات حول العالم، كما تم قبولها كعملة موازية للعملات الأخرى بحيث يمكن مبادلتها بالدولار أو اليورو وفق أسعار صرف متقلبة حتى في وول ستريت كما هو الحال في أي عملة أخرى.
12.إن خروج العملة من مصدرها (المنتج) إلى صاحب المطعم، أو مالك الدولار أو الجنيه الإسترليني قد نقل العملة من مرحلة الإصدار -الذي هو محل غموض بالمقارنة بالعملات السيادية- إلى مرحلة تشكيل عرف عام للقبول بالعملة كأداة وفاء بالالتزامات وكوسيط في المبادلات التجارية أو كمخزن للقيمة أو الثروة، وهذه هي الوظائف الرئيسة لأي عملة. هنا لو غضضنا الطرف عن ملابسات الإصدار أصبحنا أمام عملة جديدة تماثل العملات الأخرى في خصائصها الأصلية وتزيد عنها في السهولة والأمان مع ملاحظة المخاطر التي تحدثنا عنها.
13.الرؤية الشرعية لمرحلة الإصدار: يلاحظ أن إصدار البتكوين يخالف التصور المبدئي لإصدار أي عملة، لجهالة الجهة المصدرة، ولأن الحصول عليه تم بدون مقابل، ولأن المنتجين له - وهم مجهولون- سيحصلون على مزايا كبيرة تتمثل في مبادلة هذه الأرقام بسلع وعملات أخرى ويحققون الثراء الكبير من وراء ذلك على حساب المجتمع ممثلًا في سلطته السيادية بمزايا إصدار العملة. وهذا أحد المحاور المهمة للمناقشة الشرعية لمرحلة الإصدار، غير أن مرحلة الإصدار ستصبح عما قريب مرحلة تاريخية وليس لها وجود وستبقى العملة في التداول متاحة كأي عملة أخرى، وسيبقى السؤال قائمًا من هي الجهة المصدرة؟ وبأي حق حصلت على تلك العوائد الضخمة من ذلك الإصدار؟ هل هي حكومية عالمية غير مفصح عنها ومن ثم لها حق الإصدار؟ قد يكون هذا الافتراض مفتاحًا لتسهيل النظر الشرعي ومن ثم التجاوز عن مرحلة الإصدار. ومع انتشار تداول العملة سيتلاشى الحديث عن مرحلة الإصدار لأن العملة ستصبح واقعًا كما ذكرنا في التعاملات وتحت سمع العالم وبصره.
14. الرؤية الشرعية لمرحلة ما بعد الإصدار (التداول والوفاء والادخار): بدأ تشكيل العرف العام بقبول هذه العملة في الأسواق جميعًا وتحت مرأى المشرعين، بل ووجدت أماكن صرف للبتكوين مقابل العملات الأخرى، وهذا سيدعم النظر إلى هذه العملة كباقي العملات تمامًا من حيث أحكام الصرف والربا وذلك بوجوب التماثل والتساوي في حال اتحاد الصنف، والتقابض الحكمي في حال اختلاف الصنف كمبادلة الدولار بالبتكوين وعدم جواز إقراضها بفائدة.
15. قد يستشهد البعض لوجود العرف العام بقبول البتكوين، بمسألة ذكرها الإمام مالك بأنه لو تعارف الناس على جلود الإبل كنقود، فإنه يجري فيها الربا، ولكن واقع الحال أن هذا مختلف لأن سك العملة من جلود الإبل هو مقابل للذهب والفضة فكل ذلك سلعة في ذاته، خلافًا للنقود الورقية الحالية فهي ليست سلعة في ذاتها وإنما مجرد ورقة، وكذلك البتكوين هي مجرد رقم، ولذلك ألمحت إلى إشكالية مرحلة الإصدار. لو كان البتكوين عبارة عن سلعة في ذاتها لشابهت الذهب أو الفضة أو جلود الإبل، فهي ذات قيمة في ذاتها، أما كونها مجرد رقم فإنها تشابه النقود الورقية الحالية فهي مجرد ورقة؛ لكن افترقا بأن النقود الورقية اكتسبت الثقة بالقرار السيادي ولن تفقدها مطلقًا إلا بالقرار السيادي أو إلغاء السيادة، بينما البتكوين اكتسبت الثقة تدريجيا بدون قرار سيادي وإنما بالوجود في الواقع.
16. لم يكن ما سبق فتوى، وإنما نافذة لتحفيز الدراسات الفقهية لهذه النازلة المهمة، وكان التطويل بالقدر السابق ضروريا ولم أفضل التجزئة على مقالين حتى يبقى الموضوع من الناحية الأولية برمته في مكان واحد ويتيح البناء عليه من قبل الباحثين وأهل الاختصاص.

عبدالباري مشعل
12/5/2017

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق