التصنيف القانوني لجريمة غسل الأموال

جريدة عمان

بصفة عامة فان جريمة "غسل الأموال" تعتبر من الجرائم الحديثة التي انتشرت في الآونة الأخيرة عبر فئة معينة من أولئك المجرمون الذين يعرفون جوازا بمجرمي "الياقة البيضاء" أو عبر منظمات "الاجرام الجماعي"، وتتعدد الأشكال والطرق والجريمة واحدة تنخر في اقتصاد الدول وتهدد النمو الآمن والرفاهية للمجتمعات. ومع تطور الزمن وتطور الجريمة، تطورت التشريعات التي تكافح هذه الجريمة الوبائية التي تدخل كل دولة دون استئذان لتنفيذ مراميها لغسل المتحصلات "القذرة" وتلويث الأجواء في ومن حواليها.

وكلما ازدهرت الجريمة وانتشي المجرمون بنتائجها كلما زادت وتعمقت آثارها السلبية في المجتمع مما يؤدي بالتالي الي صعوبة اجتثاث وجودها لأنها تجذرت وتعمقت وانتشرت في كل الأطراف.
في بداية الأمر وعند ظهور هذه الجريمة الخطيرة، كانت التشريعات الخاصة بمكافحة جريمة غسل الأموال وتوابعها، تقوم بتحديد خاص لتلك الجرائم التي يأتي من صلبها "المتحصلات" المالية المخالفة للقانون وغير الشرعية. ومن هذا التحديد التشريعي، فان جريمة غسل الأموال كانت لا تتم أو تنشأ الا بارتكاب الجرائم التي يحصرها ويحددها التشريع. وبسبب هذا النمط الفكري ظلت هذه التشريعات تتباري في ذكر الجرائم التي تعتبر "المتحصلات" الناتجة منها "قذرة" وغير شرعية، وبالتالي فان العمل على تنظيفها لنقلها لمرحلة الشرعية يعتبر جريمة "غسل أموال".
وخير مثال للتشريعات التي تحصر تلك الجرائم التي تأتي منها "المتحصلات" الاجرامية، نشير بصفة خاصة الي النظام السعودي الصادر من مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما". وبموجب نظام "ساما" فإنها كانت تصنف الجرائم التي تشكل متحصلاتها جريمة غسل الأموال وكانت هذه الجرائم لا تتعدي عشرة (10) أنواع من الجرائم. ولكن في الفترة الأخيرة وصل التصنيف الي خمسة وعشرين (25) نوعا من الجرائم التي تعتبر متحصلاتها مصدرا لجرائم غسل الأموال.
ومن أبرز هذه الجرائم، والتي تعتبر مصادر غير تقليدية وجديدة، نذكر تقليد السلع، التستر التجاري، الغش في الأسعار، التهرب الجمركي والضريبي، وغيره من الجرائم المتعلقة بالأنشطة التجارية كالغش في الأصناف والأوزان والأسعار، الرشوة، التزييف، التزوير، القرصنة والابتزاز، الاختطاف وحجز الرهائن، الدعارة و ممارسة الفجور والاستغلال الجنسي، السطو المسلح والسلب، النصب والاحتيال، جرائم البيئة، اختلاس الأموال العامة والخاصة، السرقة، ممارسة الوساطة في أعمال الأوراق المالية دون ترخيص أو الاهمال في أعمال الوساطة في عدم التبليغ عن العمليات المشبوهة لغسل الأموال، مزاولة الأعمال المصرفية بطريقة غير مشروعة أو الاهمال في التبليغ عن العمليات المشبوهة لغسل الأموال، تمويل الإرهاب، تهريب الأسلحة والذخائر والمتفجرات أو تصنيعها أو الاتجار بها، تهريب الخمور والمسكرات أو تصنيعها أو المتاجرة بها أو ترويجها... بل إن التبرع بـ "الهللات" المتبقية من حساب السلع التي يشتريها المستهلكون من متاجر المواد الغذائية تندرج ضمن مؤشرات الشبهة لغسل الأموال... وهكذا توسع التشريع وأيضا سيتوسع في المستقبل، اذا ظللنا علي هذا النمط ..
وأيضا سار على هذا النهج الكثير من الدول التي أصبحت تتسارع مع الزمن في تعديل تشريعاتها من حين لآخر لزيادة "قائمة" جرائم جديدة تعتبر متحصلاتها من جرائم غسل الأموال. ويتم زيادة قوائم الجرائم، لأنه بدون هذه الجرائم واثباتها لا يمكن محاربة مجرمي الجريمة أو غاسلي الأموال لعدم وجود الجريمة في الأساس وبالتالي لا توجد متحصلات قذرة وغير مشروعة وبالتالي لا يوجد غسل أموال، أو حتى لو وجد غسل الأموال فانه لا يعاقب لأن جريمته غير مذكورة في التشريع.
ولكن، وكما يبدو، فان مثل هذا السباق المحموم لتوسيع قاعدة الجرائم سيستمر الي ما لا نهاية لأن هذا المجرم الخاص في كل يوم سيكتشف سبلا وطرقا جديدة لارتكاب جريمة غسل الأموال مع متعة التلذذ في تحويل الأموال "القذرة" الي أموال نظيفة "شرعية" تدور في دائرة الاقتصاد الشرعي وعلى رؤوس الأشهاد.
لهذا بدأت بل جنحت العديد من التشريعات، في الآونة الأخيرة، نحو التوجه الي عدم ذكر أو حصر الجرائم التي تشكل متحصلاتها جريمة غسل الأموال. وبمقتضي هذا التوجه الحديث للتشريعات، الذي تبنته في البداية المحاكم الانجليزية ووجهت باتباعه، ستكون مكافحة غسل الأموال أكثر فعالية ولا تحدها أي حدود لابتعادها عن حصر "قائمة" معينة للجرائم. ولتحقيق هذا التوجه، فان تشريعات مكافحة غسل الأموال يجب ألا تدخل في تحديد وذكر تفاصيل انواع الجرائم التي تعتبر متحصلاتها تشكل جريمة غسل الأموال. ولهذا يكتفي بالنص على أن متحصلات أي جريمة، ومهما كانت هذه الجريمة، فإنها تعتبر متحصلات جريمة غسل أموال.
وبهذه الكيفية الحديثة فان متحصلات أي جريمة وبدون حصر أو "قوائم" تعتبر، ومهما كانت، تشكل جريمة غسل أموال خاصة عندما يبدأ المجرم تنظيفها عبر أي من المراحل الأساسية لغسل الأموال والتي تتطور في العادة من مرحلة الإحلال عبر الايداع في البنوك مثلا، الي مرحلة التغطية والتمويه ثم الي مرحلة الدمج والاندماج في النظام الاقتصادي المالي النظيف والشرعي...
وبهذا التوسع في التشريع فان متحصلات كل الجرائم تقع تحت طائلة المسائلة عن غسل الأموال، ولا يمكن لأي غاسل للأموال أن يهرب بجريرته فقط لأن الجريمة التي ارتكبها ليست من ضمن "قائمة" الجرائم التي تعامل متحصلاتها كجريمة غسل أموال.. ومن شمولية التشريع وعدم تحديده للجرائم سيتم احكام وتوسيع المكافحة في مواجهة جريمة غسل الأموال ومرتكبيها، وهذا قطعا سيؤدي الي انكماشها حتى الضمور.. وهو الهدف المقصود لتفعيل وتوسيع المكافحة حتى الاجتثاث. وهذا، في نظرنا، طموح مشروع نأمل أن يتم اتباعه في كل الدول لأن هذه الجريمة تهدد العالم في كل مكان وفي كل وقت وكل زمان...

د. عبد القادر ورسمه غالب
المستشار القانوني ورئيس دائرة الشؤون القانونية
لمجموعة بنك البحرين والكويت
وأستاذ قوانين الأعمال والتجارة بالجامعة الأمريكية بالبحرين
Email:awghalib@hotmail.com
الخميس 11 مايو 2017

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق