القوة القاهرة في العقود

جريدة عمان

القوة القاهرة، أو ال "فورس مجير"، من المصطلحات المهمة جدا في العقود خاصة الكبيرة. وهذه الفقرة تحتاج لعناية خاصة وصياغة خاصة جدا حتى تفي بالغرض، ومن المستحسن اعداد الصياغة بطريقة تعالج ظروف الحالة المتعاقد عليها والابتعاد قدر الامكان من القطع واللصق من العقود الأخرى،

ولكل حالة لبوسها وظروفها الخاصة بها ولذا فان الصيغ النموذجية قد لا تفي بالغرض ولا تعالج الموضوع بصفة مباشرة. ولذا لا بد من الحذر عند صياغة الفقرة الخاصة بالقوة القاهرة.
وفي الأساس فان "القوة القاهرة" تحدث بسبب أجنبي خارجي لا علاقة لأطراف العقد به. وهذا السبب الأجنبي الخارجي لا يمكن توقعه، ولا يمكن أيضا دفعه لأنه خارج مقدرة وارادة الأطراف. ومن الأمثلة العامة للقوة القاهرة نذكر، البراكين والفيضانات والزلازل والكوارث الطبيعية الطارئة والحروب والامراض الوبائية الخطيرة... فمثلا، إذا وقع زلزال منع من تنفيذ الالتزام المتفق عليه في العقد، فلا يمكن المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي نتج عن ذلك؛ لأن عدم التنفيذ لا يرجع إلى خطأ أو غيره وإنما بسبب حدوث "القوة القاهرة" التي تتمثل في الزلزال.
في بعض الحالات، قد تنشأ القوة القاهرة عن فعل الإنسان بنفسه. وكمثال لهذا، الثورات الشعبية والاضرابات الجماعية عن العمل والعصيان المدني.. أو السرقات المسلحة والعنف الجماعي. وقد تكون القوة القاهرة بسبب بعض الاجراءات القانونية التي تقوم بها السلطات الرسمية، كأن تقوم الدولة بنزع الملكية، أو المصادرة، أو أوامر السلطات الحكومية الأخرى كالزيادة الفجائية العالية للأسعار. وتسمى القوة القاهرة في مثل هذه الحالات تدخل أو "فعل الدولة" أو "فعل الأمير".
قانونا، هناك عناصر يجب أن تتوفر لحدوث القوة القاهرة منها، عدم إمكانية توقع ما حدث. فالحادث المتوقع لا يعد قوة قاهرة بأي حال من الأحوال. ومعيار عدم التوقع هنا معيار موضوعي يتطلب أن يكون عدم التوقع مطلقاً. فمثلا، في بلدان "حزام الزلازل" والبراكين، فان حدوثها متوقع في أي لحظة وعليه فان حدوثها قد لا يعد وبصفة مطلقة "قوة قاهرة". ولذا يجب الحذر وأخذ هذه النقطة في الاعتبار، وفي اليابان مثلا تم تطوير المباني وكافة الانشاءات بطريقة تجعلها تقاوم الزلازل أو تقلل من آثارها الضارة للحد البعيد. ومن هذا الواقع، على شركات المباني والانشاءات في اليابان أن تعمل على تطوير أعمالها وفق المستجدات الهندسية الحديثة ولا تزعن في جميع الأوقات بأن الزلازل تعتبر قوة قاهرة لأنها ربما تواجه مشاكل قانونية تتعلق بكنه ومعني ومتطلبات القوة القاهرة بسبب التجارب التراكمية في هذا الخصوص والتي يجب على الجميع في اليابان الاستفادة منها..
اضافة لعدم امكانية توقع ما حدث، فيجب أيضا استحالة دفع الحادث، أي أن الحادث يستحيل دفعه لأنه خارج طاقة ومقدرة أطراف العقد. ومعنى هذا، أن الحادث يجب أن يؤدي إلى استحالة تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة ليس بالنسبة لطرف العقد وحده وإنما بالنسبة لأي شخص آخر يكون في مثل وضعه. كذلك يجب أن يكون الحادث خارجيا وبسبب أجنبي. فإذا تسبب الطرف في حدوثه فانه لا يعد من القوة القاهرة ومن ثم لا يعفي من المسؤولية
من الآثار القانونية للقوة القاهرة، فان حدوثها يمكن أن يقود إلى الإعفاء من تنفيذ الالتزام نهائياً، أو إلى وقف تنفيذ الالتزام حتى زوال الحادث الذي تسبب في احداث القوة القاهرة. وهذا بالطبع وفقا لظروف كل حالة على حدة. وإذا تبين للمحكمة توافر شروط القوة القاهرة، يجب عليها أن تحكم بانقضاء "ديسجارج أوف كونتراكت" أو نهاية التزام المدين بسبب القوة القاهرة، ولا يجوز في مثل هذه الحالات أن تحكم عليه بدفع تعويض للدائن نتيجة الضرر الذي لحق به بسبب عدم تنفيذ المدين لالتزامه كما ورد في العقد بين الأطراف المتعاقدة.
عند تطرقنا لأحكام نظرية الظروف القاهرة والآثار القانونية المترتبة على حدوثها، فانه يجب ألا نخلط بينها وبين "نظرية الظروف الطارئة" أو حدوث الحادث الفجائي، لأن حدوث القوة القاهرة يتسبب في استحالة تنفيذ الالتزام الوارد في العقد ولذا يعفي من المسؤولية القانونية. بينما كل الظروف الأخرى، ومهما تعددت أشكالها وأنواعها ومسمياتها، فإنها تجعل التنفيذ مرهقا وليس مستحيلا، ولذا فان حدوثها لا يعتبر اعفاء عن تنفيذ الالتزام التعاقدي.. وبالرغم من أن الخيط الذي يفصل بين كل هذه الحالات يعتبر خيطا رفيعا وضعيفا، الا ان التفرقة أمر هام جدا ويجب التمييز بين كل الحالات والتأكد من حالة القوة القاهرة، التي تعفي من المسؤولية لانتهاء الالتزام لاستحالة التنفيذ وفق الشروط والمتطلبات الواردة في العقد المبرم بين الأطراف المتعاقدة ...
د. عبد القادر ورسمه غالب
المستشار القانوني ورئيس دائرة الشؤون القانونية
لمجموعة بنك البحرين والكويت
وأستاذ قوانين الأعمال والتجارة بالجامعة الأمريكية بالبحرين
Email:awghalib@hotmail.com
الخميس 20 يوليو 2017

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق