مجموعة عمل "مينا فاتف" MENA FATF \ FATF

جريدة عمان

تلقيت استفسارات، بعد مقالي السابق، عن ال "مينا فاتف". ونقول، ان من المبادرات المهمة في مكافحة غسل الأموال و تمويل الإرهاب قيام مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا، والمعروفة جوازا باسم "مينا فاتف"، التي تم الاتفاق علي قيامها في عام 2004 وهي تتكون من غالبية الدول العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والسودان، كما تتمتع بعض الدول الأخرى والمنظمات الاقتصادية الدولية بصفة المراقب مع وجود سكرتارية المجموعة في البحرين.

وتتميز منطقة ال "مينا"، بصفة عامة، بأهميتها الاقتصادية مع وجود الفوائض المالية والمؤسسات الاستثمارية المالية الكبيرة والشركات العالمية والعمالة الأجنبية التي تفوق الملايين من البشر... ولهذا فان السيطرة علي جرائم، غسل الأموال وتمويل الارهاب، في هذه المنطقة الحساسة له أبعاد كثيرة ومدلولات أكثر أهمية.
لتحقيق المساهمة الفاعلة في مكافحة غسل الأموال و تمويل الإرهاب قامت مجموعة عمل "مينا فاتف" بانتهاج عدة أهداف أساسية من ضمنها مثلا العمل علي تنفيذ التوصيات الأربعين لمجموعة العمل المالي "فاتف" الخاصة بمحاربة غسل الأموال. وهذه التوصيات تشكل الدعامة الرئيسية في مجابهة هذه الجريمة، والعمل علي تنفيذ التوصيات الإضافية الملحقة الصادرة من "فاتف" الخاصة بمكافحة تمويل الإرهاب، وكذلك العمل علي تنفيذ معاهدات واتفاقيات الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الصادرة بخصوص هذا الجرائم وتحقيق التعاون المطلوب لتعزيز الالتزام بمعايير المكافحة وتعزيز الإجراءات والعمل مع كل العالم لتحقيقها. وكل هذا يهدف للعمل بهمة لتحديد الموضوعات المرتبطة بغسل الأموال والإرهاب في المنطقة مع الحرص علي تبادل الخبرات الفنية للاستفادة منها تعزيزا للأنظمة القانونية.
لا بد من القول بأن الدول المعنية والجهات المختصة بها، مثل البنوك التجارية والمركزية، قد استفادت كثيرا من قيام هذه المجموعة وأعمالها المتواصلة خاصة في ما يتعلق بتقييم مدي التزام الدول الأعضاء بالمعايير والتوصيات الدولية التي تصدر في تتابع متصل من أجل كبح جماح هذه الجرائم الخطيرة ومكافحتها بشتي الوسائل والاجراءات القانونية المستحدثة. وفي خضم هذه الأعمال يتم تقديم التدريب والدعم الفني مع رفع درجة التثقيف والوعي بهذه الجرائم ومدي جسامتها.. ولتحقيق هذه الأهداف تقوم مجموعة عمل "مينا فاتف" بعمل برامج تقييم مشترك للدول الأعضاء وفق معايير فنية عالية تقوم بها كفاءات عالية ومدربة للقيام بهذا العمل الهام. وبعد الانتهاء من التقييم لكل دولة تتم المتابعة لما ورد في التقييم للتأكد من تحقيق أهدافه والعمل علي تقديم المساعدة المطلوبة لتحقيق هذه الأهداف وهذا يشمل تقديم التدريب لتطبيق المهام المطلوبة وفق التقييم.
إن غسل الأموال و تمويل الإرهاب من الجرائم الدولية التي تحتاج إلي تكاتف الجهود الدولية والاصطفاف كوحدة واحدة للسيطرة علي منابعها للتمكن من مكافحتها، ونلاحظ أن مجموعة العمل المالي "فاتف" أخذت هذا الموقف منذ عام 1990 حيث ركزت في توصياتها الأربعين الخاصة بمكافحة غسل الأموال علي ضرورة بل حتمية التعاون الدولي والإقليمي لتحقيق القوة الضاربة في الوحدة الواحدة خاصة وأن طرق الإجرام تبحث عن أماكن الضعف للولوج من خلالها لتحقيق المآرب الاجرامية، ولسد هذه المنافذ فلا بد من العمل بيد واحدة وقلب واحد. وعليه فان التوصيات تنادي بضرورة التعاون الجماعي المتبادل في كل المراحل بدءا من التحقيقات إلي مرحلة المحاكمات ولهذا يجب علي كل الدول تجريم هذه الأفعال عبر إصدار التشريعات الضرورية لذلك مع ضرورة أن تتبني كل الدول نفس الاجراءات لتمكين السلطات المختصة، عند الضرورة، من التعرف مثلا علي الممتلكات المصادرة وتنفيذ الاجراءات الاحترازية المؤقتة كالحجز والضبط ومنع السفر ومراقبة التحويلات المالية الدولية والعمليات المصرفية المشبوهة للسيطرة علي الجريمة بنفس المستوي ومتابعتها في كل مكان وبنفس المستوي المطلوب ... وكل هذا العمل يتحقق بالتعاون الوثيق بين الدول ومجموعات العمل المشتركة ومنها مجموعة "مينا فاتف" الخاصة بمنطقتنا... وبعد انتهاء العمل، وإذا تطلب الأمر، فان توصيات "فاتف" تقضي بإحالة الأمر للسلطات الدولية المختصة مثل الانتربول وغيرها لتحقيق التعاون في تنفيذ أوامر المصادرة أو تبادل المجرمين وذلك عبر الاتفاقيات الجماعية أو الثنائية مع العمل علي تنفيذ كل هذه الاتفاقيات والمعاهدات.
ما تقدم يبين لنا أن توصيات "فاتف" والتي تبنتها مجموعة عمل "مينا فاتف" أدركت من الوهلة الأولي ضرورة التعاون بين الجميع لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لأن لا أحد يستطيع أن يعمل بمفرده. ولا بد من الإشادة بتوصيات مجموعة العمل المالي الدولي "فاتف" التي وضعت مسارا صحيحا انتهجته معظم، إن لم نقل كل، دول العالم ولقد شكلت هذه التوصيات نبراسا وسراجا اهتدي به الجميع عند وضع التشريعات المحلية لتنظيم الإطار القانوني السليم. ومن الناحية الثانية العمل في نفس الوقت في تعاون إقليمي ودولي كأوركسترا يشارك فيها الجميع بنغم واحد للوقوف كوحدة واحدة في وجه الإجرام الخبيث المتمثل في جرائم غسل الأموال و تمويل الإرهاب وما ينجم عنهما.
ومن تجربتنا المتواضعة، نقول وبكل ثقة أن أعمال "فاتف" ومن بعدها "مينا فاتف" أثرت الجهود في مكافحة هذه الجرائم والحد منها علي مستوي العالم ومنطقة "مينا". ولقد قادت الأعمال إلي تحقيق نتائج مبهرة حيث يمكننا القول بأن الوضع "تحت السيطرة"، ولكن هذا ليس آخر المطاف بل يجب السير بحزم في هذا الطريق ليتم الاستئصال الكامل لهذه الجرائم الخطيرة التي تنبت في كل يوم ويجب أن يكون هذا هو الهدف الذي نعمل لتحقيقه مهما واجهنا من صعوبات قد تكون أخطر من الجريمة نفسها. ونقطة هامة، لا بد من الإشادة بمجهودات هذه المجموعات وكذلك البنوك المركزية والتجارية خاصة دوائر مكافحة غسل الأموال ومتابعة وتنفيذ الالتزام بالقانون... حيث يقوم الجميع بأعمال مضنية في تجرد ونكران ذات من أجل الالتزام بتنفيذ القانون لسد كل المنافذ ولملاحقة وردع الإجرام ... ونقول ما زال الطريق طويلا ومليئا بالأشواك، وهذا يتطلب العمل الجاد مع اليقظة التامة.

د. عبد القادر ورسمه غالب
خبير قانوني
Email: awghalib@hotmail.com
الخميس 14 سبتمبر 2017

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق