ملاحظات على مشروع قانون البنوك الجديد في تونس

1. البارحة أرسل البنك المركزي التونسي للبنوك التونسية مشروع قانون البنوك الجديد للدراسة والتقييم وقد اشتمل على فصول ترخص التعامل بمنتجات الصيرفة الاسلامية. وبهذا سيتحقق قريباً ما يطمح إليه كل التوانسة بصرف النظر عن انتماءاتهم، وبعيدًا عن الاستقطاب السياسي على أساس أن الصيرفة الإسلامية لا يمكن أن تحسب لصالح فصيل سياسي، وإنما هي مشروع عالمي ناجح يحظى بالقبول في جميع بلدان العالم.

2. ومن أبرز محاسن القانون اللغة العربية السليمة والسلسلة والتي تتوافق مع اللغة المشرقية في أغلبية المصطلحات الفنية التي استخدمها القانون في مجال المراقبة والحوكمة وغير ذلك، فتحية تقدير وإعجاب لفريق العمل الذين انكبوا على إعداد مسودة هذا المشروع خلال الشهور الماضية. وانطلاقًا من انتمائي لتونس والتوانسة وفقًا لاعتبارات عديدة عرفها أصدقائي التوانسة عن قرب فإنني سأسجل في هذه العجالة بعض الملاحظات على مشروع القانون إسهامًا مني في تعزيز جودة القانون القادم.
3. من أبرز ملامح مشروع القانون على المستوى الفني ترفيع رأس مال البنوك إلى 150 مليون دينار تونسي، وهذا سيؤدي في حال إقراره إلى حركة اندماجات كبيرة وسريعة للبنوك التونسية والتي يبلغ عددها 24 بنكًا يتجاوز خمسة منها فقط 100 مليون، وبنكين فقط 150 مليون، (الأرقام على وجه التقريب وتحتاج إلى تأكد أكثر).
4. يتناول القانون في مواده [12-24] العمليات والبنوك الإسلامية ومن أبرز ما ورد فيه: السماح للبنوك عامة تقديم عمليات إسلامية، وتملك الأصول وفق قانون الشركات لأغراض العمليات الإسلامية [12، 13، 14]، وأنه لا يجوز للبنوك الإسلامية أن تمارس ما يخالف المعايير الشرعية، وتضبط المعايير الشرعية من المجلس الإسلامي الأعلى [15]، ويتضمن المشروع شرحًا للعمليات الإسلامية التمويلية والودائع [15-23].
5. يتضمن المشروع نصًا بأن المعايير الشرعية تضبط من المجلس الإسلامي الأعلى، كما ذكر مشروع القانون التونسي هيئة الرقابة الشرعية على مستوى المؤسسة في المادة [24]، وتناول قضايا الحوكمة بشكل تفصيلي في المواد [42 وما بعدها حتى 69]، وخصص المواد [49 و53] لتعيين هيئة الرقابة الشرعية للمؤسسة من الجمعية العمومية ومهامها، ونص على أنه لا مانع أن يكون واحد من بين المدققين الداخليين مدققًا شرعيًا على ذمة الهيئة لمساعدة على مهمة الرقابة وتسيير أعمالها. كما تضمنت المواد [70 ومابعدها] مراقبة المركزي للبنوك، ومسائل التصفية في المواد [138 وما بعدها] وسأذكر بعض التعقيبات على المشروع فيما ياتي.
6. أثمن الإشارة للمجلس الإسلامي الأعلى وأنه يضبط المعايير الشرعية، وهو مجلس الإفتاء الرسمي التونسي، وهذه خطوة شبيهة بالخطوة التي جاءت في قانون البنوك التشاركية في المملكة المغربية. ولكن المشروع لم ينص على نوع المعايير الشرعية المعتمدة والتي يضبطها المجلس الإسلامي الأعلى هل هي جاهزة ويتم مراجعتها واعتمادها وإصدارها بالسرعة الكافية، أم هي سيتم إنشاؤها لاحقًا بعد القانون.
7. كما أثمن الإشارة إلى هيئة الرقابة الشرعية للبنك وتعيينها من الجمعية العمومية، والتركيز على أن أعمالها الثلاث هي: مراقبة أعمال البنك أو المؤسسة المالية التي تتعاطى العمليات المنصوص عليها بالعنوان الثالث من الباب الأول وأنشطته للتأكد من مدى توافقها والتزامها بالمعايير الشرعية الإسلامية، إبداء الرأي في مدى امتثال صيغ العقود والإجراءات العملية للنشاط مع أحكام الشريعة الإسلامية، النظر في أية مسائل شرعية تخص النشاط تعرض عليها من قبل مجلس الإدارة.
8. فيما سبق بشأن هيئة الرقابة الشرعية تأكيد على أن المراقبة التي تقوم بها هيئة الرقابة الشرعية إنما تكون بغرض التأكد من الانضباط بالمعايير الشرعية، وقد سبق أن حدد القانون أن المعايير تضبط من المجلس الإسلامي الأعلى، وهذا يعيدنا للتأكيد على ضمان سرعة إصدار المعايير الشرعية لضمان انطلاقة سريعة للقطاع المصرفي الإسلامي في تونس.
9 أيضًا تضمنت مهام هيئة الرقابة الشرعية طبقا لمشروع القانون النظر في أية مسائل شرعية تخص النشاط تعرض عليها من قبل مجلس الإدارة. وهنا يجب التنصيص على ضوابط ما يصدر عن هيئة الرقابة الشرعية في ظل وجود معايير شرعية معتمدة من المجلس الإسلامي الأعلى، وهل ما يصدر يكون في إطار وفي ضوء المعايير الشرعية المعتمدة؟ وماذا يحدث في حال قامت إحدى هيئات الرقابة الشرعية بمخالفة المعايير المعتمدة من المجلس الإسلامي الأعلى وبالتالي الإخلال بتناغم التطبيقات ووحدتها بين البنوك التونسية وما دور البنك المركزي في ذلك.
10. رغم التفصيل في قضايا الحوكمة إلا أنها لم تتضمن النص على قضايا جوهرية في الحوكمة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية مثل: التدقيق الشرعي الداخلي، ولا بأس وفقاً للعديد من الآراء أن يكون من خلال التدقيق الداخلي أو مستقلًا، وتوسيع مهام المدقق المالي الخارجي [الخبير المحاسب] ليشمل فحص الامتثال الشرعي، لأن الصحة المالية للمعاملات الإسلامية لا تتحقق بدون افتراض سلامة الامتثال للمعايير الشرعية المعتمدة.
11. رغم التفصيل في مراقبة البنك المركزي المصرفية للبنوك إلا أن مشروع القانون لم يتضمن أي إشارة بشأن قيام فرق الرقابة المركزية بالتدقيق الشرعي للتأكد من أن أنظمة البنك وتطبيقاته تعزز الالتزام بالمعايير الشرعية المعتمدة التي يضبطها المجلس الإسلامي الأعلى في تونس.
12. في مسائل التصفية لم ينص القانون على كيفية تصفية موجودات ودائع الاستثمار الإسلامية بالمضاربة بالمقارنة بالمديونيات الأخرى على البنك.
13. في مسائل صندوق ضمان الوادائع لم ينص مشروع القانون على آلية لشمول الضمان لودائع الاستثمار الإسلامية، وكيفية تحققه دون أن نقع في إشكالية اشتراك البنوك التي فيها الودائع في ضمان رأس مال الودائع الإسلامية، ومن الملائم أن يتم تخصيص صندوق فرعي لضمان هذه الودائع ينشأ من البنوك برأس مال متبرع به وغير مسترد ويكون له حكم صندوق التأمين، أو الضمان من طرف ثالث وهو مشروع حينئذ و لا يخالف الأحكام الشرعية لعدم ضمان رأس المال في المضاربة من المضارب.

د.عبدالباري مشعل
29/5/2015

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق